عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
144
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
[ الباب الثالث عشر ] في ذكر كلمات منتخبة من كلام السلف الصالح في الاتعاظ بالقبور وما ورد عنهم من ذلك من منظوم ومنثور قال الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير : كان أبو بكر الصديق يقول في خطبته : أين الوضّاءة الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ، الذين كانوا لا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ، أين الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحيطان قد تضعضع بهم ، وصاروا في ظلمات القبور ، الوحا الوحا ، النجا النجا . وروى ابن أبي الدنيا ، عن الحسن ، أنه مرّ به شابّ ، وعليه بردة له حسنة ، فقال : ابن آدم معجب بشبابه ، معجب بجماله ، كأنّ القبر قد وارى بدنك ، وكأنك لاقيت عملك ، ويحك ذا وقلبك ، فإن حاجة اللّه إلى عباده صلاح قلوبهم . وعن عبد اللّه بن العيزار قال : لابن آدم بيتان : بيت على ظهر الأرض ، وبيت في بطن الأرض ، فعمد للذي على ظهر الأرض فزخرفه وزينه ، وجعل فيه أبوابا للشمال ، وأبوابا للجنوب ، وصنع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه . ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض فأخربه ، فأتى عليه آت ، فقال : أرأيت هذا الذي أراك قد أصلحته ، كم تقيم فيه ؟ قال : لا أدري . قال : فالذي قد أخربته ، كم تقيم فيه ؟ قال : فيه مقامي ، قال : تقرّ بهذا على نفسك ، وأنت رجل يعقل ؟ ! « 1 » . وعن الحسن قال : يومان وليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهن قط : ليلة تبيت مع أهل القبور ولم تبت ليلة قبلها ، وليلة صبيحتها يوم القيامة ، ويوم يأتيك البشير من اللّه تعالى ، إما بالجنة أو النار ، ويوم تعطى كتابك إما بيمينك وإما بشمالك « 2 » . وعن عمر بن ذر أنه كان يقول في مواعظه : لو علم أهل العافية ما تضمنته القبور من الأجساد البالية ، لجدّوا واجتهدوا في أيامهم الخالية ، خوفا من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار .
--> ( 1 ) « القبور » ( 104 ) . ( 2 ) « القبور » ( 121 ) .